عَرَفَ الْعَرَبُ الْمَكْتَبَاتِ مُنْذُ قُرُونٍ طَوِيلَةٍ. فِي الْعَصْرِ الْعَبَّاسِيِّ أَسَّسَ الْخَلِيفَةُ الْمَأْمُونُ بَيْتَ الْحِكْمَةِ فِي بَغْدَادَ الَّذِي أَصْبَحَ أَعْظَمَ مَكْتَبَةٍ فِي الْعَالَمِ. جُمِعَتْ فِيهِ آلَافُ الْكُتُبِ وَالْمَخْطُوطَاتِ فِي مُخْتَلَفِ الْعُلُومِ مِثْلَ الطِّبِّ وَالْفَلَكِ وَالرِّيَاضِيَّاتِ وَالْفَلْسَفَةِ. كَانَتِ الْكُتُبُ تُتَرْجَمُ مِنَ اللُّغَاتِ الْيُونَانِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ وَالْهِنْدِيَّةِ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ. عَمِلَ فِي بَيْتِ الْحِكْمَةِ عُلَمَاءُ كِبَارٌ مِنْ ثَقَافَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَكَانُوا يَتَبَادَلُونَ الْأَفْكَارَ وَالْمَعَارِفَ. لَمْ تَكُنِ الْمَكْتَبَاتُ مُجَرَّدَ أَمَاكِنَ لِتَخْزِينِ الْكُتُبِ بَلْ كَانَتْ مَرَاكِزَ لِلتَّعْلِيمِ وَالْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ حَيْثُ يَجْتَمِعُ الْعُلَمَاءُ وَالطُّلَّابُ لِلْمُنَاقَشَةِ وَالتَّعَلُّمِ. وَقَدْ أَثَّرَتْ هَذِهِ الْمَكْتَبَاتُ فِي تَطَوُّرِ الْعُلُومِ فِي أُورُوبَّا لَاحِقًا عِنْدَمَا تُرْجِمَتِ الْكُتُبُ الْعَرَبِيَّةُ إِلَى اللَّاتِينِيَّةِ. إِنَّ تُرَاثَ الْمَكْتَبَاتِ الْعَرَبِيَّةِ يُذَكِّرُنَا بِأَهَمِّيَّةِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ فِي بِنَاءِ الْحَضَارَاتِ.