شَهِدَ الْعَالَمُ الْإِسْلَامِيُّ فِي الْفَتْرَةِ الْمُمْتَدَّةِ مِنَ الْقَرْنِ الثَّامِنِ إِلَى الْقَرْنِ الرَّابِعَ عَشَرَ الْمِيلَادِيِّ ازْدِهَارًا عِلْمِيًّا غَيْرَ مَسْبُوقٍ فِي مَجَالِ عِلْمِ الْفَلَكِ. فَقَدْ أَسْهَمَ الْعُلَمَاءُ الْمُسْلِمُونَ إِسْهَامًا كَبِيرًا فِي تَطْوِيرِ هَذَا الْعِلْمِ وَتَصْحِيحِ كَثِيرٍ مِنَ النَّظَرِيَّاتِ الْقَدِيمَةِ. كَانَ بَيْتُ الْحِكْمَةِ فِي بَغْدَادَ مَرْكَزًا رَئِيسِيًّا لِدِرَاسَةِ الْفَلَكِ. وَقَدْ تَرْجَمَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ أَعْمَالَ بَطْلَيْمُوسَ الْيُونَانِيِّ ثُمَّ طَوَّرُوهَا وَأَضَافُوا إِلَيْهَا اكْتِشَافَاتٍ جَدِيدَةً. وَمِنْ أَبْرَزِ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ الْخَوَارِزْمِيُّ الَّذِي وَضَعَ جَدَاوِلَ فَلَكِيَّةً دَقِيقَةً لِحِسَابِ مَوَاقِعِ الْكَوَاكِبِ وَالنُّجُومِ. اخْتَرَعَ الْعُلَمَاءُ الْمُسْلِمُونَ أَدَوَاتٍ فَلَكِيَّةً مُتَطَوِّرَةً. فَالْأُسْطُرْلَابُ الَّذِي طَوَّرَهُ الْعُلَمَاءُ الْعَرَبُ أَصْبَحَ أَهَمَّ أَدَاةٍ لِرَصْدِ الْأَجْرَامِ السَّمَاوِيَّةِ. وَقَدِ اسْتُخْدِمَ هَذَا الْجِهَازُ لِتَحْدِيدِ اتِّجَاهِ الْقِبْلَةِ وَمَعْرِفَةِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَتَحْدِيدِ بِدَايَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ. أَنْشَأَ الْحُكَّامُ الْمُسْلِمُونَ مَرَاصِدَ فَلَكِيَّةً ضَخْمَةً فِي عِدَّةِ مُدُنٍ. فَفِي مَدِينَةِ مَرَاغَةَ بِإِيرَانَ بَنَى نَصِيرُ الدِّينِ الطُّوسِيُّ مَرْصَدًا مُتَقَدِّمًا فِي الْقَرْنِ الثَّالِثَ عَشَرَ. وَقَدْ أَثَّرَتْ أَعْمَالُهُ فِي عُلَمَاءِ أُورُوبَّا لَاحِقًا، بِمَا فِي ذَلِكَ كُوبِرْنِيكُوسَ الَّذِي اسْتَفَادَ مِنْ نَمَاذِجِ الطُّوسِيِّ الرِّيَاضِيَّةِ فِي تَطْوِيرِ نَظَرِيَّتِهِ عَنْ دَوَرَانِ الْأَرْضِ حَوْلَ الشَّمْسِ.