تَمْتَلِكُ الْمُوسِيقَى الْعَرَبِيَّةُ تُرَاثًا غَنِيًّا يَمْتَدُّ لِآلَافِ السِّنِينَ. فَقَدْ تَطَوَّرَتْ عَبْرَ الْعُصُورِ وَتَأَثَّرَتْ بِثَقَافَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ حَتَّى أَصْبَحَتْ فَنًّا مُتَمَيِّزًا لَهُ قَوَاعِدُهُ وَنِظَامُهُ الْخَاصُّ الَّذِي يَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا جَوْهَرِيًّا عَنِ الْمُوسِيقَى الْغَرْبِيَّةِ. يَقُومُ النِّظَامُ الْمُوسِيقِيُّ الْعَرَبِيُّ عَلَى مَفْهُومِ الْمَقَامِ، وَهُوَ سُلَّمٌ مُوسِيقِيٌّ يَتَكَوَّنُ مِنْ مَجْمُوعَةٍ مِنَ النَّغَمَاتِ الْمُرَتَّبَةِ وَفْقَ قَوَاعِدَ مُحَدَّدَةٍ. وَتُوجَدُ عَشَرَاتُ الْمَقَامَاتِ فِي الْمُوسِيقَى الْعَرَبِيَّةِ، وَلِكُلِّ مَقَامٍ طَابَعُهُ الْعَاطِفِيُّ الْخَاصُّ. فَمَقَامُ الرَّاسْتِ يُوحِي بِالْفَخْرِ وَالْقُوَّةِ، بَيْنَمَا يُعَبِّرُ مَقَامُ الصَّبَا عَنِ الْحُزْنِ وَالشَّجَنِ. وَمَا يُمَيِّزُ الْمَقَامَاتِ الْعَرَبِيَّةَ عَنِ السَّلَالِمِ الْغَرْبِيَّةِ هُوَ اسْتِخْدَامُهَا لِأَرْبَاعِ النَّغَمَاتِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي الْمُوسِيقَى الْأُورُوبِّيَّةِ. مِنْ أَهَمِّ الْآلَاتِ الْمُوسِيقِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ الْعُودُ، وَهُوَ آلَةٌ وَتَرِيَّةٌ يَعْتَبِرُهَا كَثِيرُونَ مَلِكَ الْآلَاتِ الشَّرْقِيَّةِ. وَقَدِ انْتَقَلَ الْعُودُ إِلَى أُورُوبَّا خِلَالَ الْعُصُورِ الْوُسْطَى وَتَطَوَّرَ لِيُصْبِحَ آلَةَ اللُّوتِ الْأُورُوبِّيَّةِ. وَهُنَاكَ أَيْضًا الْقَانُونُ ذُو الْأَوْتَارِ الْكَثِيرَةِ، وَالنَّايُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِصَوْتِهِ الشَّجِيِّ الْعَمِيقِ، وَالدُّفُّ وَالطَّبْلَةُ اللَّذَانِ يُشَكِّلَانِ أَسَاسَ الْإِيقَاعِ فِي الْمُوسِيقَى الْعَرَبِيَّةِ. شَهِدَ الْقَرْنُ الْعِشْرُونَ عَصْرًا ذَهَبِيًّا لِلْمُوسِيقَى الْعَرَبِيَّةِ مَعَ ظُهُورِ فَنَّانِينَ عِظَامٍ. فَقَدْ غَنَّتْ أُمُّ كُلْثُومٍ لِلْجَمَاهِيرِ لِعُقُودٍ طَوِيلَةٍ وَأَصْبَحَتْ رَمْزًا لِلثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ. كَمَا أَبْدَعَ فَرِيدُ الْأَطْرَشِ فِي الْعَزْفِ عَلَى الْعُودِ وَالتَّلْحِينِ. وَقَدْ نَجَحَ هَؤُلَاءِ الْفَنَّانُونَ فِي الْمَزْجِ بَيْنَ الْأَصَالَةِ وَالتَّجْدِيدِ. فِي الْعَصْرِ الْحَاضِرِ يُوَاجِهُ الْمُوسِيقِيُّونَ الْعَرَبُ تَحَدِّيًا يَتَمَثَّلُ فِي الْحِفَاظِ عَلَى الْهُوِيَّةِ الْم