يُعَدُّ الشِّعْرُ دِيوَانَ الْعَرَبِ وَسِجِلَّ حَيَاتِهِمُ الْأَوَّلَ، إِذْ لَمْ يَعْرِفْ تَارِيخُ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ تَقْلِيدًا شِعْرِيًّا احْتَفَظَ بِحَيَوِيَّتِهِ وَاسْتِمْرَارِيَّتِهِ عَبْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ قَرْنًا كَالتَّقْلِيدِ الشِّعْرِيِّ الْعَرَبِيِّ. فَفِي الْعَصْرِ الْجَاهِلِيِّ، بَلَغَ الشِّعْرُ مَنْزِلَةً سَامِيَةً حَتَّى صَارَ لِسَانَ الْقَبِيلَةِ وَمِعْيَارَ فَخْرِهَا، وَقَدْ خَلَّفَ لَنَا ذَلِكَ الْعَصْرُ الْمُعَلَّقَاتِ السَّبْعَ الَّتِي تُمَثِّلُ ذِرْوَةَ الْبَلَاغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَعَلَّ أَشْهَرَهَا مُعَلَّقَةُ امْرِئِ الْقَيْسِ بِمَطْلَعِهَا الْخَالِدِ: "قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ". وَمَعَ بُزُوغِ فَجْرِ الْإِسْلَامِ، تَحَوَّلَ الشِّعْرُ مِنْ أَدَاةٍ لِلْفَخْرِ الْقَبَلِيِّ إِلَى وَسِيلَةٍ لِلدَّعْوَةِ وَالدِّفَاعِ عَنِ الْعَقِيدَةِ، فَبَرَزَ شُعَرَاءُ كَحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ الَّذِي لُقِّبَ بِشَاعِرِ الرَّسُولِ. ثُمَّ جَاءَ الْعَصْرُ الْأُمَوِيُّ فَازْدَهَرَ شِعْرُ الْغَزَلِ عَلَى يَدِ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَجَمِيلِ بُثَيْنَةَ، بَيْنَمَا اشْتَدَّ شِعْرُ النَّقَائِضِ بَيْنَ جَرِيرٍ وَالْفَرَزْدَقِ حَتَّى صَارَ ظَاهِرَةً أَدَبِيَّةً فَرِيدَةً. وَفِي الْعَصْرِ الْعَبَّاسِيِّ، انْفَتَحَ الشِّعْرُ الْعَرَبِيُّ عَلَى ثَقَافَاتٍ جَدِيدَةٍ فَتَنَوَّعَتْ أَغْرَاضُهُ وَتَجَدَّدَتْ أَسَالِيبُهُ. وَقَدْ مَثَّلَ أَبُو نُوَاسٍ ثَوْرَةً عَلَى الْقَصِيدَةِ التَّقْلِيدِيَّةِ حِينَ دَعَا إِلَى تَرْكِ الْوُقُوفِ عَلَى الْأَطْلَالِ، فِي حِينِ ارْتَقَى الْمُتَنَبِّي بِالشِّعْرِ إِلَى آفَاقٍ فَلْسَفِيَّةٍ لَمْ يَبْلُغْهَا شَاعِرٌ قَبْلَهُ، حَتَّى قِيلَ فِيهِ إِنَّهُ مَلَأَ الدُّنْيَا وَشَغَلَ النَّاسَ. غَيْرَ أَنَّ الشِّعْرَ الْعَرَبِيَّ مَرَّ بِفَتْرَةِ رُكُودٍ طَوِيلَةٍ فِي ظِلِّ الْحُكْمِ الْعُثْمَانِيِّ، قَبْلَ أَنْ تَبْعَثَهُ حَرَكَةُ الْإِحْيَاءِ فِي الْقَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ عَلَى يَدِ مَحْمُودٍ سَامِي الْبَارُودِيِّ وَأَحْمَدَ شَوْقِي الَّذِي لُقِّبَ بِأَمِيرِ الشُّعَرَاءِ. ثُمَّ أَحْدَثَ بَدْرُ شَاكِرٍ السَّيَّابُ وَنَازِكُ الْمَلَائِكَةِ ثَوْرَةً حَقِيقِيَّةً فِي مُنْتَصَفِ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ حِينَ كَس