لَا يَقْتَصِرُ الْعِقَالُ الْعِرَاقِيُّ عَلَى كَوْنِهِ قِطْعَةً مِنَ الْمَلَابِسِ التَّقْلِيدِيَّةِ، بَلْ هُوَ رَمْزٌ لِلْهَيْبَةِ وَالْوَقَارِ. وَقَدْ أَصْبَحَ الْعِقَالُ قِيمَةً اجْتِمَاعِيَّةً مُهِمَّةً تَنْتَقِلُ مِنَ الْآبَاءِ إِلَى الْأَبْنَاءِ. يَجْلِسُ كَبِيرُ الْقَوْمِ فِي الْمَجْلِسِ وَهُوَ يَشْعُرُ بِالْفَخْرِ عِنْدَمَا يَرْتَدِيهِ. يُعَدُّ الْحِرَفِيُّ حُسَيْن، الْمَعْرُوفُ بِـ "أَبُو عَلِي"، مِنْ أَفْضَلِ صُنَّاعِ الْعِقَالِ. كَانَ حُسَيْنُ يَعْمَلُ فِي هَذِهِ الْحِرْفَةِ مُنْذُ طُفُولَتِهِ حَتَّى تَعَلَّمَهَا جَيِّدًا. وَهُوَ يَسْتَقْبِلُ زَبَائِنَ مِنْ كُلِّ مُحَافَظَاتِ الْعِرَاقِ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى دُوَلِ الْخَلِيجِ. يَقُولُ أَبُو عَلِي إِنَّ هَذَا الْعَمَلَ يَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ طَوِيلٍ. يَعْتَمِدُ سِرُّ الْجَوْدَةِ عَلَى خُيُوطٍ أَصْلِيَّةٍ تُؤْخَذُ مِنْ وَبَرِ الْجِمَالِ. فِي الْمَاضِي، كَانَ الصُّنَّاعُ يَعْتَمِدُونَ عَلَى خُيُوطٍ مَحَلِّيَّةٍ مِنْ مَدِينَةِ الْمَوْصِلِ. أَمَّا الْآنَ، فَإِنَّهُمْ يَسْتَوْرِدُونَ خُيُوطًا خَاصَّةً مِنْ تُرْكِيَا. تَتَطَلَّبُ صِنَاعَةُ الْعِقَالِ مَهَارَةً كَبِيرَةً، إِذْ يَجِبُ أَنْ يَبْقَى فِي قَالَبٍ خَاصٍّ لِمُدَّةِ خَمْسِ سَاعَاتٍ. لِذَلِكَ، إِذَا لَمْ يَتْرُكِ الصَّانِعُ الْعِقَالَ فِي الْقَالَبِ، لَنْ يُحَافِظَ عَلَى شَكْلِهِ. تَخْتَلِفُ أَنْوَاعُ الْعِقَالِ مِنْ مَدِينَةٍ إِلَى أُخْرَى. العِقَالُ الَّذِي يَلْبَسُهُ الرَّجُلُ فِي الْجَنُوبِ يَخْتَلِفُ عَنِ الْوَسَطِ فِي حَجْمِهِ. كَذَلِكَ، تُعَبِّرُ الْأَلْوَانُ عَنْ مَكَانَةِ الشَّخْصِ فِي الْمُجْتَمَعِ؛ فَاللَّوْنُ الْأَبْيَضُ يَدُلُّ عَلَى مَكَانَةِ الْأَمِيرِ. يَبْدَأُ السِّعْرُ مِنْ سَبْعَةَ عَشَرَ دُولَارًا، وَقَدْ يَصِلُ إِلَى مِئَتَيْ دُولَارٍ لِلْأَنْوَاعِ الْفَاخِرَةِ الَّتِي تُصْنَعُ حَسَبَ الطَّلَبِ. رَغْمَ التَّطَوُّرِ الْحَدِيثِ، مَا زَالَ الْعِرَاقِيُّونَ يَبْحَثُونَ عَنِ الْجَوْدَةِ. لَمْ يَتْرُكِ الشَّبَابُ هَذَا التُّرَاثَ الْجَمِيلَ. وَسَوْفَ تَسْتَمِرُّ هَذِهِ الصِّنَاعَةُ طَوِيلًا لِأَنَّهَا جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ هُوِيَّتِهِمُ الثَّقَافِيَّةِ.