الْأَزْرَقُ الَّذِي لَا تَرَاهُ الْعَيْنُ
كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ صِبْغَةٌ زَرْقَاءُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَبْدُو أَزْرَقَ؟ يَبْدُو السُّؤَالُ مُتَنَاقِضًا، لِأَنَّنَا نَعْرِفُ الْأَزْرَقَ بِمَا نَرَاهُ، لَا بِمَا تَتَكَوَّنُ مِنْهُ الْمَادَّةُ. لِنَتَخَيَّلْ تِمْثَالًا صَغِيرًا بَهَتَتْ أَلْوَانُهُ حَتَّى صَارَ سَطْحُهُ أَقْرَبَ إِلَى الرَّمَادِيِّ: هَلْ نَقُولُ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَزْرَقَ قَطُّ؟ قَدْ يَكُونُ لَمْ يُلَوَّنْ بِالْأَزْرَقِ أَصْلًا، وَقَدْ يَكُونُ لُوِّنَ بِهِ ثُمَّ بَهَتَ، وَلَا تَكْفِي النَّظْرَةُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الِاحْتِمَالَيْنِ. فَالْعَيْنُ هُنَا لَا تُخْطِئُ، لَكِنَّهَا تُجِيبُ عَنْ سُؤَالٍ آخَرَ: كَيْفَ يَبْدُو السَّطْحُ الْآنَ؟ وَالْمِثَالُ هُنَا مُتَخَيَّلٌ، لَكِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي يُثِيرُهُ حَقِيقِيٌّ. دِرَاسَةٌ نُشِرَتْ سَنَةَ ٢٠٢٠ تَجْعَلُ هَذَا السُّؤَالَ جَادًّا. فَقَدْ شَمِلَتْ أَصْبَاغَ تَمَاثِيلَ صَغِيرَةٍ مِنْ دَيْرِ الْمَدِينَةِ غَرْبَ الْأُقْصُرِ، تَعُودُ إِلَى عَصْرِ الدَّوْلَةِ الْحَدِيثَةِ، وَتُحْفَظُ فِي الْمُتْحَفِ الْمِصْرِيِّ بِتُورِينُو. فَالْقِطَعُ مِصْرِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَ حِفْظُهَا وَبَعْضُ تَحْلِيلِهَا خَارِجَ مِصْرَ. وَالدِّرَاسَةُ تَخُصُّ هَذِهِ الْعَيِّنَاتِ وَزَمَنَهَا، فَلَا تَصِحُّ نَتَائِجُهَا عَلَى كُلِّ مَا صُنِعَ بِهَذِهِ الصِّبْغَةِ. تُعْرَفُ هَذِهِ الصِّبْغَةُ بِاسْمِ «الْأَزْرَقِ الْمِصْرِيِّ»، وَلَهَا خَاصِّيَّةٌ تَشْرَحُهَا الدِّرَاسَةُ. فَإِذَا سُلِّطَ عَلَيْهَا ضَوْءٌ مَرْئِيٌّ، أَمْكَنَ أَنْ تُثَارَ، فَتُطْلِقَ تَأَلُّقًا يُرْصَدُ فِي نِطَاقٍ قَرِيبٍ مِنْ تَحْتِ الْأَحْمَرِ. وَ«تَحْتَ الْأَحْمَرِ» نِطَاقٌ مِنَ الضَّوْءِ يَلِي اللَّوْنَ الْأَحْمَرَ. وَالْإِثَارَةُ هُنَا أَنْ تَتَلَقَّى الْمَادَّةُ ضَوْءًا فَتَرُدَّ بِضَوْءٍ آخَرَ، وَالتَّأَلُّقُ هُوَ هَذَا الضَّوْءُ الْمَرْدُودُ. فَالصِّبْغَةُ تَتَلَقَّى ضَوْءًا نَرَاهُ، وَتَرُدُّ بِضَوْءٍ لَا تُدْرِكُهُ أَعْيُنُنَا، لَكِنَّ أَدَوَاتِ التَّصْوِيرِ تَلْتَقِطُهُ. وَبِذَلِكَ تَصِيرُ الصِّبْغَةُ دَلِيلًا عَلَى نَفْسِهَا: لَا بِلَوْنِهَا، بَلْ بِمَا تُطْلِقُهُ مِنْ ضَوْءٍ. وَمِنْ هُنَا يَتَغَيَّرُ السُّؤَالُ. فَلَمْ يَعُدِ السُّؤَالُ: هَلْ نَرَى الْأَزْرَقَ؟ بَلْ: هَلْ بَقِيَتِ الْمَادَّةُ
How can a blue pigment be in a place that does not look blue? The question seems self-contradictory, because we know blue by what we see, not by what the material is made of. Let us imagine a small statuette whose colours have faded until its surface looks nearly grey: do we say it was never blue? It may never have been coloured blue at all, or it may have been coloured blue and then faded, and a look is not enough to tell the two apart. The eye is not wrong here, but it answers another question: how does the surface look now? The example here is imagined, but the question it raises is real. A study published in 2020 makes this a serious question. It covered the pigments of small statuettes from Deir el-Medina, west of Luxor, which date from the New Kingdom and are kept in the Egyptian Museum in Turin. The pieces are Egyptian, even though their keeping and part of their analysis are outside Egypt. The study concerns these samples and their period, so its results do not hold for everyt