أَبُو هُرَيْرَةَ: أَثَرٌ صَغِيرٌ وَسُؤَالٌ كَبِيرٌ
كَيْفَ نَعْرِفُ أَنَّ النَّاسَ بَدَؤُوا يَعْتَنُونَ بِالْحَيَوَانِ، إِذَا كَانَتِ الْعَلَامَةُ الَّتِي اعْتَدْنَا الْبَحْثَ عَنْهَا لَمْ تَظْهَرْ بَعْدُ؟ فَمَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ آثَارُ الْمُمَارَسَةِ، لَا الْمُمَارَسَةُ نَفْسُهَا، وَهَذِهِ الْآثَارُ لَا تَظْهَرُ كُلُّهَا فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ. تَشْرَحُ إِحْدَى الْبَاحِثَاتِ الْمُشَارِكَاتِ فِي دِرَاسَةٍ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ، فِي مَقَالٍ نُشِرَ سَنَةَ ٢٠٢٢، أَنَّ تَغَيُّرَ شَكْلِ الْعِظَامِ الْمُرْتَبِطَ بِالتَّدْجِينِ يَتَأَخَّرُ عَنْ بِدَايَاتِ الْعِنَايَةِ بِالْحَيَوَانِ. وَالْعَظْمُ قَدْ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ زَمَنًا وَالْعِنَايَةُ جَارِيَةٌ، وَانْتِظَارُ تَغَيُّرِهِ وَحْدَهُ يُفَوِّتُ عَلَيْنَا الْبِدَايَةَ. لِنَتَخَيَّلْ جَمَاعَةً بَدَأَتْ تُبْقِي بَعْضَ الْحَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ قُرْبَ بُيُوتِهَا: قَدْ تَمُرُّ أَجْيَالٌ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ فِي نَسْلِ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ أَيُّ تَغَيُّرٍ، وَالْعِنَايَةُ نَفْسُهَا بَدَأَتْ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ. وَالْعِنَايَةُ بِهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ التَّدْجِينِ؛ فَالتَّدْجِينُ تَغَيُّرٌ فِي الْحَيَوَانِ نَفْسِهِ تَصْنَعُهُ عَلَاقَةٌ طَوِيلَةٌ بِالْإِنْسَانِ، وَالْعِنَايَةُ عَمَلٌ يَقُومُ بِهِ النَّاسُ، قَدْ يَسْبِقُ التَّغَيُّرَ. وَمِنْ هُنَا تَأْتِي أَهَمِّيَّةُ مَوْقِعِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى نَهْرِ الْفُرَاتِ فِي سُورِيَّةَ. فَقَدْ تَنَاوَلَتِ الدِّرَاسَةُ نَفْسُهَا، فِي وَرَقَةٍ عِلْمِيَّةٍ نُشِرَتْ سَنَةَ ٢٠٢٢، كُرَيَّاتٍ مِجْهَرِيَّةً كِلْسِيَّةً مِنْ رَوْثِ بَعْضِ الْعَوَاشِبِ، فِي عَيِّنَاتٍ مِنْ هَذَا الْمَوْقِعِ. وَالْكُرَيَّاتُ حُبَيْبَاتٌ لَا تُرَى إِلَّا بِالْمِجْهَرِ، وَحُضُورُهَا يَدُلُّ عَلَى رَوْثِ حَيَوَانَاتٍ تَأْكُلُ النَّبَاتَ. وَقِيمَةُ هَذَا الْمُؤَشِّرِ أَنَّهُ يَفْتَحُ طَرِيقًا آخَرَ لِلْبَحْثِ عَنِ الْحَيَوَانِ، طَرِيقًا لَا يَمُرُّ بِشَكْلِ عِظَامِهِ. فَالصَّيْدُ يَتْرُكُ قُرْبَ الْمَسْكَنِ عِظَامًا فِي الْغَالِبِ، أَمَّا الْحَيَوَانُ الَّذِي يُبْقَى حَيًّا فَيَتْرُكُ رَوْثَهُ حَيْثُ يُقِيمُ. لَكِنَّ الْمُؤَشِّرَ لَا يَقُولُ، كَمَا سَنَرَى، أَيَّ حَيَوَانٍ كَانَ، وَلَا مَا أَرَادَهُ النَّاسُ مِنْهُ. فَدَلَالَةُ الْمُؤَشِّرِ تَأْتِ
How do we know that people had begun to tend animals, if the sign we are used to looking for had not yet appeared? What remains in the ground is the traces of a practice, not the practice itself, and these traces do not all appear at the same time. One of the researchers who took part in a study of this question explains, in an article published in 2022, that the change in bone shape linked with domestication comes later than the first care of animals. The bone may stay as it was for a while even as the care goes on, and waiting for its change alone makes us miss the beginning. Let us imagine a group that began keeping some wild animals near its houses: generations may pass before any change appears in those animals’ offspring, while the care itself began on the first day. Care in this sense is not domestication: domestication is a change in the animal itself, brought about by a long relationship with people, while care is something people do, which may come before the change. This is