لِنَفْتَرِضْ أَنَّ مُسَافِرًا تَرَكَ ضِفَّةَ النِّيلِ فِي السُّودَانِ، وَسَارَ نَحْوَ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ كِيلُومِتْرًا إِلَى الدَّاخِلِ، حَتَّى بَلَغَ الْمُصَوَّرَاتِ الصُّفْرَاءَ. لَا يَجِدُ الْمُسَافِرُ هُنَاكَ نَهْرًا، بَلْ سَافَانَا جَافَّةً فِي مِنْطَقَةِ الْبُطَانَةِ. وَالْمَسَافَةُ إِلَى النَّهْرِ، وَإِنْ بَدَتْ قَصِيرَةً عَلَى الْخَرِيطَةِ، طَوِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَخْصٍ يَحْتَاجُ إِلَى الْمَاءِ كُلَّ يَوْمٍ. فَكَيْفَ حَصَلَ النَّاسُ عَلَى الْمَاءِ فِي مَكَانٍ مِثْلِ هَذَا، طَوَالَ السَّنَةِ؟ فِي الْوَادِي الَّذِي تَقَعُ فِيهِ الْمُصَوَّرَاتُ، لَا يَجْرِي الْمَاءُ إِلَّا فِي جُزْءٍ مِنَ السَّنَةِ. وَقَدْ كَانَ هَذَا الْمَاءُ الْمَوْسِمِيُّ يُغَذِّي خَزَّانَاتٍ صِنَاعِيَّةً تُعْرَفُ بِالْحَفَائِرِ. وَالْحَفِيرُ، كَمَا يَدُلُّ اسْمُهُ، خَزَّانٌ حُفِرَ فِي الْأَرْضِ. وَيَرْبِطُ الْوَصْفُ الْعِلْمِيُّ لِلْمَوْقِعِ بَيْنَ هَذِهِ الْحَفَائِرِ وَبَقَاءِ النَّاسِ فِيهِ، بَلْ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ قِيَامِ مَبَانٍ كَثِيرَةٍ هُنَاكَ. وَمِنْ هَذِهِ الْحَفَائِرِ «الْحَفِيرُ الْكَبِيرُ». قَدْ يَرَى فِيهِ النَّاظِرُ حُفْرَةً وَاسِعَةً تَحْفَظُ الْمَاءَ فَحَسْبُ. لَكِنَّ وَصْفَ مَشْرُوعِ الْبَحْثِ فِي الْمَوْقِعِ يُمَيِّزُ فِيهِ بَيْنَ جُزْأَيْنِ: حَوْضٍ لِلتَّخْزِينِ يُطَوِّقُهُ سَاتِرٌ تُرَابِيٌّ، وَمَنْشَآتٍ فِي مِنْطَقَةِ الْمَدْخَلِ. وَإِذَا تَتَبَّعْنَا الْمَاءَ الْقَادِمَ مِنَ الْوَادِي، فَإِنَّهُ يَمُرُّ أَوَّلًا بِمَنْشَآتِ الْمَدْخَلِ، ثُمَّ يَدْخُلُ الْحَوْضَ، وَيَبْقَى فِيهِ دَاخِلَ السَّاتِرِ. وَهَذَا التَّمْيِيزُ يُغَيِّرُ السُّؤَالَ: فَبَدَلًا مِنْ أَنْ نَسْأَلَ عَنْ حَجْمِ الْحَوْضِ وَحْدَهُ، نَسْأَلُ كَيْفَ يَصِلُ إِلَيْهِ الْمَاءُ، وَكَيْفَ يُحْفَظُ فِيهِ. وَقَدْ صُمِّمَتْ مَنْشَآتُ الْمَدْخَلِ بِحَيْثُ تَجْمَعُ الْمَاءَ الْقَادِمَ فِي مَجْرًى، وَتُوَجِّهُهُ، وَتُصَفِّيهِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْحَوْضَ. أَيْ إِنَّ عَمَلَ النِّظَامِ يَبْدَأُ قَبْلَ التَّخْزِينِ نَفْسِهِ. فَالْمَجْرَى يَحْصُرُ الْمَاءَ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ، وَالتَّوْجِيهُ يَقُودُهُ نَحْوَ الْحَوْضِ، وَالتَّصْفِيَةُ تُخَفِّفُ مَا يَحْمِلُهُ مَعَهُ. وَهَذِهِ التَّصْفِيَةُ لَا تَعْنِي
Suppose a traveller left the bank of the Nile in Sudan and went about thirty-five kilometres inland until he reached Musawwarat es-Sufra. There the traveller finds no river, only dry savannah in the Butana region. The distance to the river, short as it may look on a map, is long for someone who needs water every day. So how did people get water in a place like this, all year round? In the valley where Musawwarat lies, water flows only for part of the year. This seasonal water used to feed artificial reservoirs known as hafirs. A hafir, as its name suggests, is a reservoir dug into the ground. The scholarly description of the site links these hafirs with people being able to live there, and even with the raising of many buildings there. One of these hafirs is the Great Hafir. An onlooker might see in it only a wide hollow that holds water. But the research project’s description of the site distinguishes two parts in it: a storage basin enclosed by an earthen embankment, and installatio